إن طموحي العظيم هو أن أموت من الإرهاق بدلا من أن أموت من الملل.
نحن نريد المعاناة حقاً، نريدها لكي نعيش، كيف يمكن أن نشعر بالمعنى دون وجود معنى لذلك المعنى، إذ لا يمكن الشعور بالحياة دون أن نشعر بالمعاناة ، ياللعجب إذ لا يكفي ما نعيشه حتى نضّطر إلى أن نخلق معاناة أخرى، وكأنّ المرء لا يجد في هذه الدنيا ما يعكّر صفوه.
أن أوروبا المنتصرة لم تفرض فحسب قيمها وثقافتها ومفاهيمها، وحضارتها بوجه عام. إنما، وفي نفس الوقت، استبعدت، من التاريخ الملحمي للإنسانية، تاريخ الشعوب المنهوبة. فقدمت علمها ابتداءً من علم اليونان بعد تقطيع أوصاله وفصله عن جذوره المعرفية الشرقية! وقدمت تاريخها ابتداءً من أنه التاريخ الحقيقي للعالم، وأرَّخت للعالم المنهوب ابتداءً من تاريخها الَّذي هو في حقيقته تاريخ الذهب والدم! وقدمت دينها ابتداءً من عنصريتها، فكان يسوع الأبيض بملامحه الأوروبية لقمع الشعوب غير البيضاء وازدراء كل ما هو غير أوروبي! وقدمت نظمها السياسية ابتداءً من وصم كل النظم الأخرى بالتخلف والرجعية والبلادة! وقدمت لغتها ابتداءً من كونها اللغة النبيلة المتحضرة المنتجة لثقافة العصر الحديث! وقدمت ثقافتها ابتداءً من كونها الثقافة الراقية الوحيدة الممكنة إنسانيًا.
"الريكاردوفوبيا"، من أخطر أمراض الماركسيين الَّذين تربوا على كراسات التعميم والموجزات الأوليَّة. فالأغلب من هؤلاء ودون أن يقرأوا سطرًا واحدًا لدافيد ريكاردو؛ لديهم الرعب المقيم من أن يَجدوا جذور ماركس في العلم الريكاردي. وكأن ماركس أتى بعلم لم يأتِ به الأوَّلون! تكمن المأساة هنا في الإصرار الجاهل على إقامة القطيعة المعرفيَّة داخل التراكم المعرفي للعلم الاقتصادي؛ انتصارًا لتمذهب أجوف، يُعتَنق بهستيريا جماعيَّة.
لأن تاريخ أوروبا الحديث، بل والمعاصر كذلك، هو تاريخ دموي حافل بحروب المجازر وحملات الإبادة؛ فيمكن أن نتخذ من التكون التاريخي للتخلّف الاجتماعي والاقتصادي في قارة أمريكا اللاتينية حقلًا خصبًا للتحليل لأنها تمثل النموذج الأمثل لأعمال السلب والنهب والإبادة الَّتي قامت بها أوروبا الاستعمارية في فجر تاريخها الحديث. فجر الرأسمالية الظافرة.
حقوق الكتب المنشورة عبر مكتبة فولة بوك محفوظة للمؤلفين ودور النشر
لا يتم نشر أي كتاب دون موافقة صريحة من المؤلف أو الجهة المالكة للحقوق
إذا تم نشر كتابك دون علمك أو بدون إذنك، يرجى الإبلاغ لإيقاف عرض الكتاب
بمراسلتنا مباشرة من هنــــــا