تحميل كتاب شذىً استبد pdf الكاتب فرحان ريدان

إن ( شذىً استبدَّ ) نصٌّ سردي على جانب من الإحكام والتكثيف الشعري ،

وهو إضافة نوعية بين نصوص الخطاب الروائي الحداثية في المشهد السردي العربي .

د. صالح هويدي  . لعبة النص .دائرة الإعلام والثقافة . الشارقة . ص 239

مقتطف من الرواية :

في صبيحة اليوم التالي وقفَ أمامَ مُهْره في مَرْج الزنابق وسألَهُ  : " ما  رأيك ؟ ! " .. فرأى طَيْفَ نورا في عَيْنَيِّ فهد الليل ، ضَمَّها إلى صّدْره وأغمَضَ عينيه ، تضَوَّعَ جَسَدُها الأنثويُّ في أنفِهِ ، وأحَسَّ بخفق صدرها الفَتِيِّ ينبضُ في دَمِهِ ، دافئاً ، وحانياً ، وندِيَّاً ، ومرتعشاً . تحَسَّسَتْ يَدُهُ انخطافَ خصْرِها .. شَفَّتْ نفسُهُ ، تواثَبَتْ وارتَفَعَتْ إلى سَمْتِها ، وذابَ في أشواقِهِ . مَطَّ فهدُ الليل عنقَهُ واشتَمَّ شَعْرَ نورا ، وخَدَّها ، وصارَ رأسُهُ الدقيقُ عند رأسيهما . سَحَبَتْ نورا خصرَها من ذراعي غالب .. وكَشَفَتْ عن ذراعه الرِّدَاءَ ، تَفَقَّدَتْ الذراعَ التي كانت مكسُورةً .. قَبَّلَتْها ، رَفَعَتْها وضَمَّتْها إلى صدرها ، أغمَضَتْ عينيها ، ابتَهَلَتْ ، ثم تقدَّمَتْ من فهد الليل ، عانَقَتْهُ ، بَاسَتْهُ في صَبْحته :

حيث يبُوْسُهُ غالبُ كلَّ يَوْم ! ،  ورَحَلَتْ .

تابَعَها غالبُ بعينيه وهي تبتعدُ وتصعدُ غابات الصنوبر ولمَّا لم يعُدْ يَراها ظلَّ في مكانه كأنه مُسَمَّرٌ ، غير أن فهد الليل أيقظهُ من شروده وتبعَ نورا ، مشى غالب خَلفَهما ساهماً .. لم يُرِدْ ان يُزعجَ فهد الليل الذي رغبَ في مرافقة نورا ، وكان يكفي أن يناديه : " يا فهد الليل ! " حتى يتوقف . ظلَّ فهد الليل يمشي وراء نورا حتى دخلتْ دارها في دير القمر فوقفَ الحصانُ خارج الباب بينما وقف غالبُ يتأمَّلُ دار نورا والكنيسةَ الجميلة التي تقابلها ، ولم ينتبه للأب جرجس الذي كان يُكلِّمُ رجُلاً عند الباب بينما كانت عيناه على نورا ، وغالب ، وفهد الليل .

اقتربَ غالبُ من باب الكنيسة ، خلع حذاءه ، ودخلَ فقبَّلَ يَدَ الأب وطلبَ دعاءه ثم عَرَّفَهُ بنفسه ، تفكَّرَ الأب قليلاَ ثم همسَ كَمَنْ يُحدِّثُ نفسَه : " الجرهمي ! .. غالب الجرهمي " ومَدَّ ذراعَه قائلاً : تفضل يا بني . تمَشَّى غالب في فناء الكنيسة ، وجَالَ فرحاً في أرجائها الفسيحة ، وأدهشتْه الأعمدةُ الحجرية البيضاء المنحوتة ، والمنَمنمَات المنقوشة على الأقواس ، ثم دخلَ إلى بَهْو المذبح فركَعَ أمام السيدة العذراء وابتهَلَ إلى الله في قلبه فهو لا يحفَظُ شيئاً من الكتب السماوية . نهضَ ونظرَ إلى الشموع مختلفة الحجوم والألوان التي يأتي بها عبادُ الله من كل أصقاع الأرض ، ولمحَ الأبَ واقفاً فاستأذنه في ان يأخذَ شمعةً ... ومِنْ بين مئات الشموع المتراصَّة سحَرَتْ غالبَ شمعةٌ صغيرة ، إنها تحت الإفريز الحجري .. إنها الثالثة من اليمين ..بيضاء وكعبُها ورديّ .. وأحَسَّ أنها تناديه ، وإذْ لامَسَتْ أصابعُهُ الشمعةَ وسَحَبَها إليه ذُهلَ الأبُ واقشَعَرَّ بَدَنُهُ ...فهو يذكُرُ جيداً صاحبةَ اليد الناعمة.. الشفيفة والبَضَّة التي وضعتْ هذه الشمعة هنا قبلَ شهرٍ : نورا !

غير أنه لا يعرفُ أنها وضعتْها بعد لحظات من سقوط غالب عن مُهْره في تلال السنديان ، وأنها خضَّلَتْها بصلواتها الشفيفة ، وأدعيتها الحانية

وأنَّ قلبَها يريها غالبَ بعيداً كانَ أو على مرمى قلبٍ من قلبها ، وكان غالبُ  ، في صمت قلبه وتوقد عقله ، يُصغي لانخطاف الضوء في صلواتها
 

ثم يئنُّ وينتشي في انسراب النور حين يندلقُ الألقُ من تواثب روحها .

تحميل كتاب شذىً استبد PDF - فرحان ريدان

هذا الكتاب من تأليف فرحان ريدان و حقوق الكتاب محفوظة لصاحبها