تحميل كتاب مجلة القلم - العدد الثامن عشر pdf

ملاحظة: نُشر هذا الكتاب على موقع فولة بوك بإذن صريح من المؤلف
معاينة الكتاب أو تحميله للإستخدام الشخصي فقط وأي صلاحيات أخرى يجب أخذ إذن من المؤلف

مجلة القلم - العدد الثامن عشر

تحميل كتاب مجلة القلم - العدد الثامن عشر pdf الكاتب مجلة القلم

قبل سنوات، وحين كنت في سهرة مع الأصدقاء، وكما هي العادة، تشعّبت الحوارات والنقاشات؛ فهذا يطرح رأيًا، والآخر ينقده، وذاك يذكر خبرًا، وآخر يعقّب عليه.

كان ضمن الحضور ضيف لم يسبق لي أن التقيته، وكان يُظهر حماسًا بالغًا تجاه قضايا مختلفة، وهي – بالمناسبة – كانت مختلفة تمامًا عن قناعاتي الشخصية.

وخلال النقاش، وجّه نقدًا تجاه الليبرالية. أنصتُّ قليلًا إلى الكلمة التي قالها للتو، ثم التمست له واحدًا من السبعين عذرًا، وقلت: لعلّه أخطأ في نطق الكلمة بسبب تهافت الأفكار والحماس. إلا أنه استمر بتكرار اللفظ على علّته: ربرالي، ربراليون، ربراليين.

فأدركت حينها أنه ينطقها بشكل خاطئ عن سبق إصرار، بعد أن خلق منها نسخة مشوّهة عن الكلمة الأصلية.

عادةً ما تنشأ الأفكار داخل عقل الفيلسوف أو المفكر أو الكاتب، ولا يصرّح بها أو ينشرها إلا بعد تأمّل وقناعة وتمعّن قد يطول زمنها؛ وبعدها يتلقّفها القرّاء وتنتشر بشكل واسع، وقد تتحول مع الوقت إلى مثل أو حكمة، أو حتى إلى مبدأ فكري أو أخلاقي.

ومنها الفكرة المنتشرة والمتداولة بكثرة، والتي تدعونا إلى عدم الحكم على الآخرين من خلال مظهرهم.

هي فكرة صحيحة، ولكنها كثيرًا ما تُوظّف في غير موضعها؛ فهي تدعونا لأن نحترم الآخر، وأن نحكم عليه من خلال فكره وأخلاقه، وألا يكون الملبس الرخيص الذي يرتديه الإنسان الفقير مقياسًا، أو الملابس المتسخة التي يرتديها العامل في ورشته أثناء عمله وسيلة أولية لتكوين انطباع. ففي الأصل، كان هؤلاء هم المعنيّين بذلك المبدأ، وليس أصحاب المظهر الشاذ الذين يريدون فرض احترامهم على الجميع بممارسة الضغط الأخلاقي، من باب: تقبّلني كما أنا واحكم عليّ من خلال شخصيتي.

وبرأيي، فإن المظهر انعكاس للجوهر، ولا يمكن لجوهر سليم أن يُفرز مظهرًا شاذًا، وفي هذه الحالة بالذات، أحكم على الشخص من مظهره لتصوّري المسبق عمّا ينطوي عليه جوهره.

ومن ذلك أيضًا، حين يصفعك أحدهم بكلمة: "خليك إيجابي" عند تعبيرك عن عدم الحماس لفكرة، فهو يمنح كل رفضٍ يصدر منك طابعًا تشاؤميًا، ثم يتهمك بالسوداوية.

الإيجابية لا تعني تجاهل الواقع، والإفراط في التفاؤل ما هو إلا سذاجة؛ فكل ما في الكون محكوم بقوانين، ولكل فعل ردّة فعل مساوية له في القوة ومعاكسة له في الاتجاه، وكل ذلك لا يمكننا تجاهله لمجرد أننا نحاول أن نبدو إيجابيين ومنتمين لروح العصر، أو لأننا غارقون في حالة من التفاؤل بسبب حضورنا إحدى دورات التنمية البشرية.

هناك فرق كبير بين التشاؤم والواقعية، وفرق بين التفاؤل والوهم.

لنحكم على فكرة، علينا أن نقرأ الواقع جيدًا، وحين نخطط لإنجاز مشروع كبير – على سبيل المثال – لا يكفي التفاؤل ليضمن نجاحه أو يحميه من الفشل والإفلاس.

التفاؤل المفرط – في نظري – صدمة مؤجلة؛ لأن الفشل حينها يحدث دون توقّع أو احتياط مسبق، وعندها تكون الصدمة أعنف.

كثيرًا ما نتوقف عند تعليق على منشور كتبه أحدهم في إحدى منصات التواصل الاجتماعي، بسبب أن المعلّق يهاجم الفكرة، والتي هي في حقيقتها بعيدة كل البعد عمّا فهمه كاتب التعليق، وذلك ببساطة لأنه لم يقرأ المنشور كاملًا، أو لأنه يتمتع بموهبة فريدة في سوء الفهم.

وما أعنيه من كل ما سبق، أن الأفكار قد تتشوّه ويُساء فهمها بعد أن تنتشر بشكل واسع، ومع عصر الإنترنت أصبحت المعلومة متاحة بسهولة، لكن السيء في الأمر أن هذه الأداة أتاحت الفرصة للجميع ليفكّر بصوت عالٍ، وأن يتعرّى فكريًا أمام الملأ دون خجل، لمجرد أنه يريد ممارسة حقه في التعبير، أو يسعى لتحقيق الشهرة، أو إقناع محيطه بأنه فاهم وفلتة زمانه.

فالفكرة حين تصل إلى الشخص الخطأ تُبتذل وتنخفض قيمتها؛ لأنه يسطّحها ويجرّدها من معناها الحقيقي، ويقلّص حجمها لتتناسب مع استيعابه، فيخرج باستنتاج خاطئ، ويتخذ موقفًا مضادًا دون مبرر منطقي، أو يصطف مع... دون سقف.

نحن مأخوذون ببريق الكلمات، وبمجرد أن يقع سمعنا عليها حين يتلفظ بها أحدهم، نسرع لإضافتها إلى مخزون مفرداتنا، وحينها لا يهم في أي سياق نحشرها! لذلك أقول: إن الكلمة الصحيحة هي ليبرالية، ولكن حين جاءت على لسان جاهل أصبحت ربرالية، فتشوّه المعنى قبل أن يتشوّه المصطلح ذاته.

وهذه كلمة العدد، بقلم رئيس التحرير سمير عالم.

تحميل كتاب مجلة القلم - العدد الثامن عشر PDF - مجلة القلم

هذا الكتاب من تأليف مجلة القلم و حقوق الكتاب محفوظة لصاحبها

الملكية الفكرية محفوظة لمؤلف الكتاب المذكور.
في حالة وجود مشكلة بالكتاب الرجاء الإبلاغ من خلال أحد الروابط التالية:
بلّغ عن الكتاب أو من خلال التواصل معنا


حقوق الكتب المنشورة عبر مكتبة فولة بوك محفوظة للمؤلفين ودور النشر
لا يتم نشر أي كتاب دون موافقة صريحة من المؤلف أو الجهة المالكة للحقوق
إذا تم نشر كتابك دون علمك أو بدون إذنك، يرجى الإبلاغ لإيقاف عرض الكتاب
بمراسلتنا مباشرة من هنــــــا