قانون التأويل

تحميل كتاب قانون التأويل pdf الكاتب أبو حامد الغزالي

ملخص كتاب ( قانون التأويل ) للإمام أبي حامد الغزالي
سأل أحدهم الإمام الغزالي -رضي الله عنه- سؤالاً طويلًا يتلخص في :
معني "إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم" هل هو ممازجة كالماء بالماء ؟ أم كالإحاطة بالعود أم ماذا ؟ وأخذ يسوق تأويلات كثيرة يأسأل الإمام عن أيها هو الصحيح 
وسأل عن الجن في حال المصروع هل الجن هو المتكلم أم المصروع؟ وعن إنباءه بالغيب 
ثم سأل عن معنى البرزخ وكيفيته ؟ثم سأل عن الميزان وعن الموزون هل هو الأعمال أم الصحائف وسأل أسئلة كثيرة على هذا المنوال.
أجاب الإمام الغزالي قائلًا:
أسئلة أكره الخوض فيها والجواب لأسباب عدة ولكن أذكر قانونًا كلياً ينتفع به في هذا النمط وأقول:
بين المعقول والمنقول تصادم في أوَّل النظر، وظاهر الفكر، والخائضون فيه تحزبوا إلى مفرِّط بتجريد النظر إلى المنقول، وإلى مفرِّط بتجريد النظر إلى المعقول، وإلى متوسط طمع في الجمع والتلفيق.
وعليه انقسم الناس حول تأيد المعقول والمنقول إلى خمسة فرق :
1- الفرقة الأولى الذين اعتمدوا على النقل رافضين النقل :وهم الذين جردوا النظر إلى المنقول، وهم الواقفون على المنزل الأول من منازل الطريق فهؤلاء صدّقوا بما جاء به النقل تفصيلاً وتأصيلاً، وإذا ووجهوا بإظهار تناقض في ظاهر المنقول، وكُلِّفوا تأويلاً امتنعوا وقالوا: إن الله قادرٌ على كلِّ شيء. وربما لم يتحاشوا أن يقولوا: إنّ كونَ الشخص الواحد في مكانين في حالة واحدة مقدورٌ لله تعالى.
2- الفرقة الثانية الذين اعتمدوا العقل ورفضوا النقل: جرَّدوا النظر إلى المعقول، ولم يكترثوا بالنقل،فإن سمعوا في الشرع ما يوافقهم قبلوه، وإن سمعوا ما يخالف عقولهم زعموا أن ذلك صوَّره الأنبياء لكي يصل إلى عقول العوام فهؤلاء غلوا في المعقول حتى كفروا؛ إذ نسبوا الأنبياء عليهم الصلاة والسلام إلى الكذب؛ لأجل المصلحة.
قالأولون قصروا طلباً للسلامة من خطر التأويل والبحث، فنزلوا بساحة الجهل، واطمأنوا بها، إلا أن حال هؤلاء أقرب من حال أولئك اعتمدوا المعقول فقط ولا خلاف بين الأمة أن من جوَّز الكذب على الأنبياء صلوات الله عليهم يجب حزُّ رقبته أي أنه يكفر.
3- ولفرقة الثالثة لم ينكروا النقول ولكن جعلوا العقل أصلا حاكماً على النقل: فجعلوا المعقول أصلاً فطال بحثهم عنه، وضعف عنايتهم بالمنقول فلم تجتمع عندهم الظواهر المتعارضة المتصادمة مع العقل في بادئ النظر وأول الفكر فما سمعوه من الظواهر المخالفة للمعقول جحدوه وأنكروه، وكذّبوا راويَه، إلا ما يتواتر عندهم كالقرآن، أو ما قرب تأويله من ألفاظ الحديث، وما شقّ عليهم تأويله جحدوه حذراً من الإبعاد في التأويل ولا يخفى ما في هذا الرأي من الخطر في رد الأحاديث الصحيحة المنقولة عن الثقات الذين بهم وصل الشرع إلينا.
4- الفرقة الرابعة لم ينكروا المعقول ولكن جعلوا النقل أصلاً : فاجتمع عندهم الظواهر الكثيرة، وتطرفوا من المعقول ولم يغوصوا فيه، فظهر لهم التصادم بين المنقول والظواهر في بعض أطراف المعقولات، ولكن لَمّا لم يكثر خوضهم في المعقول كُفوا مؤنة عظيمة في أكثر التأويلات، إذ لم ينتبهوا للحاجة إلى التأويل.
5- الفرقة الخامسة الذين اعتمدوا على النقل وعلى العقل معًا :وهي الفرقة المتوسطة الجامعة بين البحث عن المعقول والمنقول، الجاعلة كل واحدٍ منهما أصلاً مهماً، وهم الفرقة المنكرة لتعارض العقل والشرع وكونه حقاً، ومن كذّب العقل فقد كذّب الشرع، إذ بالعقل عُرف صدقُ الشرع، ولولا صدق دليل العقل لما عرفنا الفرق بين النبيّ والمتنبّي، والصادق والكاذب.
وكيف يُكذّب العقل بالشرع، وما ثبت الشرع إلا بالعقل؟!!وهؤلاء هم الفرقة المحقة، وقد نهجوا منهجاً قويماً.
وقد وضع الغزالي في كتابه قواعدًا للتأويل أو وصايا كما سماها:
1- الوصية الأولى : أن لا يَطمَع في الاطلاع على جميع ذلك -أي جميع التأويلات-، وإلى هذا الغرض كنت أسوق الكلام، فإن ذلك -أي علم جميع التأويلات- في غير مطمع، وليتل قوله تعالى: (وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً). ولا ينبغي أن يستبعد استتار بعض هذه الأمور على أكابر العلماء، فضلاً عن المتوسطين، وليعلم أن العالم الذي يدعي الاطلاع على مراد النبي صلى الله عليه وسلم في جميع ذلك فدعواه لقصور عقله لا لوفوره.
2- الوصية الثانية : أن لا يُكذِّب برهان العقل أصلاً، فإن العقل لا يكذب، ولو كذَب العقلُ فلعله كذَب في إثبات الشرع، إذ به عرفنا الشرع، فكيف يعرف صدق الشاهد بتزكية المزكي الكاذب؟! والشرع شاهد بالتفاصيل، والعقل مزكي الشرع، وإذا لم يكن بدٌّ من تصديق العقل لم يمكنك أن تتمارى في نفي الجهة عن الله، ونفي الصورة.
3- الوصية الثالثة : أن يكفَّ عن تعيين التأويل عند تعارض الاحتمالات، فإن الحكم على مراد الله سبحانه ومراد رسوله صلى الله عليه وسلم بالظن والتخمين خطر، فإنما تعلم مراد المتكلم بإظهار مراده، فإذا لم يظهر فمن أين تعلم مراده، إلا أن تنحصر وجوه الاحتمالات، ويبطل الجميع إلا واحداً، فيتعين الواحد بالبرهان، ولكن وجوه الاحتمالات في كلام العرب وطرق التوسع فيها كثير، فمتى ينحصر ذلك، فالتوقف في التأويل أسلم، فالتخمين والظن جهلٌ، وقد رخص فيه لضرورة العبادات والأعمال والتعبدات التي لا تدرك بالاجتهاد، وما لا يرتبط به عمل إنما هو من قبيل العلوم المجردة والاعتقادات، فمن أين يتجاسر فيها على الحكم بالظن؟
وأكثر ما قيل في التأويلات ظنونٌ وتخمينات، والعاقل فيه بينَ أن يحكم بالظن، وبين أن يقول: أعلم أن ظاهره غير مراد، إذ فيه تكذيبٌ للعقل، وأما عينُ المراد فلا أدري، ولا حاجة إلى أن أدري، إذ لا يتعلق به عمل ولا سبيل فيه إلى حقيقة الكشف واليقين.
ولستُ أرى أن أحكم بالتخمين، وهذا أصوب وأسلم عند كل عاقل.
ثم قال : "وبهذه الوصايا يستبين عذري في كراهيتي للجواب عن مثل هذه الأسئلة" أ.هـ
وقد أجاب على الأسئلة ولكن قد ذكرنا الغاية من الكتاب والله أعلم

هذا الكتاب من تأليف أبو حامد الغزالي و حقوق الكتاب محفوظة لصاحبها