سفائن وفنارات

تحميل كتاب سفائن وفنارات pdf الكاتب هيثم بهنام بُردى

تقديم: د. جاسم خلف الياس

     في أول لقاء لي مع القاص هيثم بردى، أهدى لي مجموعته القصصية (الوصية)، وكتبت عنها قراءة نشرت في جريدة الزمان- الطبعة الدولية عام 2003، وتتابعت لقاءاتنا في الموصل وبغداد وبغديدا (الحمدانية)، ثم تناولت تجربته في القصة القصيرة جداً في كتابي (شعرية القصة القصيرة جداً)، فضلاً عن دراسات عدة نشرت في كتب مشتركة مع كتاب آخرين، وحين شرّفني بالكتابة عن مجموعته القصصية (سفائن وفنارات) تبادر إلى ذهني السؤال الآتي: ماذا سيقدم لنا القاص هيثم بردى في مجموعته القصصية القصيرة جداً الخامسة، بعد أن انفتح على المجال النقدي وأصدر كتابه (القصة القصيرة جداً في العراق)، وهل مارس النقد سلطته على الابداع القصصي فيما بعد؟. 

        قرأت المجموعة وأنا أنوي تقديمها بما يليق بها، كاشفاً خصائصها النوعية، وكشوفاتها الجمالية، وقدرتها على إزاحة ما سبقها، وبناء كون قصصي يمارس لعبة الاختلاف والمغادرة، بوصفها فعلاً يؤثر ويتأثر في استمرار مصاحبة التقلبات الاجتماعية والنفسية، والرحلات التي شكلت اغتراباً قسرياً، والكتابات الجديدة بكل فعلها التواصلي الآسر. فمنذ طفولة هيثم القصصية الواخزة، وهي تحمل في تضاعيفها رؤيا العالم المتجدد، وحتى الراهن القصصي، ظل يعمل على محو القصّ لديه؛ كي يعيد القص ثانية في تجربة جديدة، وما هذا المحو الدائم إلاّ جوهر الممارسة الإبداعية التي تراكمت فيها الأنواع التعبيرية لتجربة القص عنده، ومن هذه الأنواع القصة القصيرة جداً.

       تنهض المجموعة على اقتناص اللحظات الانسانية بكل ما فيها من وجع وحبور، في لغة قصصية/ شعرية، تمثل حقلاً لاستعارات شتى، أو فيوضاً من الصور والتأملات التي تمكث في المتخيل النصي، إذ يلتقط الصورة التي توسع أفق الرؤية بحساسية فائقة، ودفقات حدثية تحرّك البناء القصصي بشخوص لا أسماء لها،  وفضاء زمكاني لا يشكل معطى واقعياً، ومجرد وعاء خارجي يستوعب زمنية الحدث، بقدر ما يكون حقل استعارات، لها طاقات دلالية تعمل على اتساع القدرة التأويلية، فضلا عن الادهاش والانبهار الذي تحدثه في القارئ، ومفارقات شتى تعمل على تأثيث الرؤى المتناقضة، وتناصات متنوعة تزيد القصة ثراء، يوظفها ويؤسس عبرها وعياً ذاتياً، ليس لإغناء النص فحسب، وإنما لإغناء الفعل القرائي في الآن ذاته، وقد شكلّت هذه الموجهات البنائية في مجملها، اقتراحات لمنح هذا النوع من القص شعرية متفردة، انماز بها القاص هيثم بردى عن غيره من كتاب القصة القصيرة جداً. ولأن ما أكتبه الآن يدخل في دائرة التقديم وليس القراءة، لا أريد مصادرة متعة القارئ، وكشوفاته القرائية، لذا سأضع انطباعاً قد يفيد الباحث أو الدراس في قابل الأيام لكل من يتناول هذه المجموعة.

        في قصتي (الروع) و (الاسم) يفعّل القاص الدينامية الذاكراتية، لينتقل من الزمهرير إلى الدفء، على الرغم من انتظاره لرحلة عصية قادمة، إذ تشترك القصتان في الفضاء الزمهريري الذي يوحي إلى حال الفقد والخسارات، كما إن الشخصيتين متماهيتان مع ذلك الفضاء في تفاصيل وصور يومية، أشبعها القاص برؤية مؤثثة بذهنية عالية، أعاد فيها مشاهد الحياة اليومية بشيء من الغرابة، وهذا ما حصل بشكل أكثر غرابة وفنتازيا وإصراراً على الحياة في قصة    (الحريق) التي تتعالق فيها السنون الغضة والذاكرات البكر، ويستنفر القاص لا عقلانية الواقع في قصة (الملائكة) كما في قول السارد/ الشخصية: "رأيت ابني يخرج من ابني ويحلّق في فضاء الغرفة التي انفتح سقفها على قوس قزح بهي كينونته ملائكة صغار مجنحون شفافون، وهم يتحلقون حول ابني، يتأبطون (عضده/ جناحه) الناعم ويبحرون معاً نحو السماء حيث الضياء" هذه الشفافية العالية في اللعب الترميزي قد أعطت للقصة قوة في التداول النصي، وإيصال قسوة الفقد بكل ما فيها من ألم في استحضار الاشتغال القصدي؛ لتقديم هذه الحال في غربلة للصور اليومية التي تغرّب الواقع، وتغيّر مسار الرؤية فيه، إلاّ أن قسوة الفقد ظلت تلازم القاص، فقدمها على لسان السارد/ الشخصية في قصة (السؤال) بوجع طاغ، وحرقة فظيعة، وهو يصف ولده في اغتراب نفسي حاد، منذ المفتتح القصصي وحتى الأقفال، في تناص ذاتي مع قصة (الملائكة) التي تمركزت في ظاهرة الفقد، فالسارد / الشخصية يصف ابنه في ثيابه العتيقة والنظيفة وهو جالس أمام عتبة الدار المتواضعة التي بنيت بالقرب من القصور الباذخة الجمال، يراقب أقرانه من أبناء الشارع العريض بملابسهم الملونة واللماعة والزاهية، ويصف كل ما يمت إليهم بصفات البذخ والثراء، وكيفية دخوله البيت منكس الرأس، ومحدودب الظهر على الرغم من صغر سنه، فهو مكسور الخاطر تماماً بسبب وضعه البائس، فبعد أن يدلف إلى الغرفة، يخاطب صورة أثيرة لديه والدموع تذرف من عينيه، يهمس له:

"أعرف أنك مثلي، ولدت فقيرا، ولكنك أنت الآن في الفردوس ابتهل أن تجيبني على هذا السؤال: هل هناك أناس أغنياء وفقراء، أكواخ وقصور، في فراديس الرب؟".

          بهذا الفعل الحياتي اليومي في القرى والمدن، واللحظات الإنسانية المشبعة بالغرابة، وغيرها، يقدم القاص هيثم بردى شخوص القصص في موقد القص الأزلي، فيقدم قاصاً طاعناً في الهموم، عاشقة تتغنج وتبتسم، رجلا تعلكه المصائب والجوائح، لوحة لرسام مات أمام عينيها بحسرة كسرة خبز تشبع جوعه الأسطوري، بينما لوحته وصلت في المزاد العلني إلى ثلاثة وخمسين مليون دولار، فلاح مغتبط ببيدره، رجل أصبح لبوسه التكرار والسأم والملل، فضلاً عن اشتغال حالات قصصية برؤيا مغايرة. كما يقدم الأحداث بالطريقة ذاتها بعيداً عن (السأم والتكرار والموات) كما يقول في قصته (لا مناص)، الأمر الذي حدا به إلى القول "من كثرة التكرار أحجمت، أنا طائر العنقاء، عن الانبعاث من رمادي".

        أقول قبل أن أترك للقارئ خيارات التفاعل مع القاص، لم يكن هيثم بردى يوماً ما جمرة مترمدة، تكشف الريح ومضتها الغائرة،، بل ظل ناراً متأججة ترفض السكون والرماد، فيقص تارة قصة قصيرة، وتارة قصة قصيرة جداً، ويسرد ثالثة رواية قصيرة، ويكتب رابعة عن القصة القصيرة جداً رؤية نقدية، ويمسرح خامسة مواقف معينة فيكتب للصغار والكبار، وتشتبك الكتابة عنده بما يمتلك من معرفة وخبرات جمالية في شتى أنواع القص، لذا لا تكفي هذه المساحة الصغيرة لتسليط الضوء على مجمل القصص التي ضمتها المجموعة، فكيف أستطيع إذن تسليط الضوء على مجمل تجربته الكتابية؟ ساترك ذلك للقارئ وأدعوه إلى قراءة هيثم بردى قراءة واعية ومتماسكة وهو يبحر في لجة القص.

وفي الختام لابد من التنويه إلى أن هذه المقدمة، ستقود اشتغالي النقدي لا إلى مجموعة هيثم بردى (سفائن وفنارات) فحسب، وإنما إلى تقديم وجهة نظر خاصة، سعت إلى عرض طريقة تناولنا القصة القصيرة جداً وفق التنظير لها في كتابنا الآنف الذكر (شعرية القصة القصيرة جداً) وقد اجترحنا فيه منهجية نقدية عن نوع قصصي اشترك في كتابته عدد من المغادرين لدائرة القص التقليدي، وسنجعل من هذه المقدمة بوابة لدراسة هذا النوع من القص، ونبدأها بالقاص هيثم بردى، ونبقي البوابة مفتوحة لدراسة كتّاب آخرين؛ لاعتقادنا بأن دراسة قاص واحد لا تكفي لتغطية ظاهرة القصة القصيرة جداً، ولكننا نسعى إلى كمالها منهجياً عندما نتناول تجارب أخرى مختلفة، فكما هو متعارف عليه، لكل قاص طريقة في (كيف تقول القصة؟) فضلاً عن (ماذا تقول القصة؟)، وعبر تناول هذه التجارب المختلفة سنحصل على الأدوات والرؤى والثقافات المشتركة التي يمكن الكشف عن مستوياتها في دراسة تسعى إلى الشمولية والعلمية في الآن ذاته، من دون إغفال خصوصية كل قاص.

د. جاسم خلف إلياس: ناقد وأكاديمي عراقي مختص بالدراسات النقدية الحديثة.

تحميل كتاب سفائن وفنارات PDF - هيثم بهنام بُردى

هذا الكتاب من تأليف هيثم بهنام بُردى و حقوق الكتاب محفوظة لصاحبها