جمهورية الله - سماء وجودية

تحميل كتاب جمهورية الله - سماء وجودية pdf الكاتب عبد الرزاق الجبران

"جمهورية الله" عنوان يثير تساؤلات... توجسات وإحساس يتجاوز حدود الإنسان تجاه الذات الإلهية... هكذا يبدو الأمر لأول وهلة، مخالفاً المألوف من القول: ""المكوب باين من عنوانه""، لتجد نفسك وحين تمضي في قراءته بأنك وكقارئ ليس بإمكانك قراءة الكلمات بحروفها فحسب بل عليك قراءة الكلمات بما وراءها من معاني... فالعالم لا يقف عند خط الأفق، ولكن تبقى للعين قدرة... ولكن للذهن أيضاً قدرة إلا أنها تفوق كل الحدود. فدع ذهنك يمضي في تصورته فيقرأ ما وراء الكلمات وليقرأ في النص لا النص وحسب. ربما تجاوز الكاتب المألوف من ألفاظ وعبارات واستعارات في موضوع كهذا... إلا أنه والحق يقال قد استطاع الدخول إلى عالم الحقيقة. وتحدث ولكن بلغته عما يعتري العالم دون استثناء من تشويهات وأباطيل تطال الدين... تطال حتى الذات الإلهية... وتطال ذاك الإنسان... إنسان اليوم الذي يمضي إلى حتفه رغم أنفه... يصور الكاتب الواقع الإنساني انطلاقاً من معتقداته الدينية السماوية والأرضية ضمن معانٍ تأخذ أبعاداً فلسفية عميقة... وأبعاداً إنسانية أشدّ عمقاً. علّ هذا يشكل صرخة فيعي الإنسان بأن عليه التنبه إلى خطورة ما هو عليه... فلسان حاله يقول: ""هذا ما وجدنا عليه آباؤنا... وأساتذتنا ومشايخنا... وأصحاب القرار وأصحاب الرأي... وهو يمضي-أي الإنسان- في هذا الهرج والمرج اللاهوتي وهو لا يدري أنه ضمّ نفسه إلى جوقة عميان مصداقاً لقوله تعالى: (إنها لا تمحى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور)."
" الله يكتب "وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا"... وهم يكتبون، وجعلناكم أدياناً ومذاهب لتتحاربوا!. لكم قتل المسيحيون والمسلمون والهندوس واليهود بعضهم، لكم قتل البروتستانت والكاثوليك والشيعة والسنة بعضهم. حتى شك التاريخ عينه بالآية، أهي لتعارفوا أم لتحاربوا؟ الحروب الدينية في التاريخ كانت بسبب تلك العشائر، لذا لم يحارب مؤمن كافر قط. المؤمن من حارب المؤمن على طول الله... كلاهما يعود لصلاته بعد القتل. الأديان عشائر، لأننا نمشيها بمنطق "كما يقول أبي"... فأنا مسلم كما يقول أبي، أنا مسيحي كما يقول أبي، بوذي أنا، يهودي أنا، كما يقول أبي.... لم يلح الله على أكثر من نسف؛ "كمال يقول أبي". قال لهم جيندار: إنها عقدة الآباء لا عقيدة الأنبياء... كلكم تكذبون، مذاهبكم قصة أبي لا قصة نبي... قصة قبيلة لا قصة أمة.
حينما آذات قريش المسلمين، طلب النبي من المسلمين الهجرة للمسيحيين، واليوم يسموها بلاد الكافرين!!!. الملك المسيحي قال لمهاجري الحبشة؛ ليس بين ديننا والإسلام إلا مسافة خط... لم يقل بعدها قس ما قاله الملك: ... فقط جعل من الخط مسافة سماء. لم يقل ملك أورشليم صلب عيسى، الكهنة فرضوا صلبه. الملك خير من الكاهن:!... أي أمة أخزينا تاريخها؟، أي دين أفرغنا كتابه؟ أي نبي سلبنا وحيه؟ لم يعد لنا أمة ولا دين ولا نبي... أهل الصحراء وحدهم يعرفون القمر، التائهون وحدهم يعرفون الله... أطفئوا المصابيح إنها تزوّر القمر... أطفئوا الكاهن إنه يزوّر الله... دع الدمع لقلبه، دع الجِنحَ لسربه... دع الله لسمائه، دع الجرح لدمائه، دع المعبد لكهنته، دع الخدل لوجنته... تريد الرمال رمالها، خنقتها المدينة. تريد الصلاة صلاتها، خنقها الكاهن. تريد الحقيقة تيهها، خنقها المنطق، إنها أشواق الوجود للوجود... هنا تأخذ الوجودية حلمها. هنا تأخذ اسمها، هنا تأخذ تعرفها....
بعد قرون من الكهنة، وقليل من نهارات الله، مرّ تائه يلبس جبته مقلوباً على رائحة حانة لعلّه يشم الله، بعد أن شمّ كثيراً من الكنائس فلم يتنفس صلاة واحدة. عَبَر يهودا وبوذيين فلم يعبره الله. ظنّ أن الله في المساجد؛ فلم يجد شيوخها... ذهب إلى التاريخ فوجد شيوخاً على الله نفسه... أراد أن يتدين في الحياة معهم فانتهى مداناً لها. قال لصاحبه؛ الله بيعَ كثيراً، من معبد إلى معبد.... الأديان استعبدته فحسب... التفت إليه بوجع أكثر... هل أقول لك سرّاً؟... هزّ الصاحب رأسه، أربكه استلام السرّ.
اقترب التائه أكثر من عيونه؛ لأن العيون حين تقترب تقول الحقيقة نفسها أكثر. بل العيون حين تقترب تصبح الحقيقة نفسها عيوناً... خلف الذات، خلف الطريق، خلف المعبد، هنالك دائماً أزقة من الكذب، أزقة من العمائم، كلها يمكن أن تتكئ، الطين وحده لا يمنح متكئاً، ولد الطين إنسان. أسمعونا الكثير عن الحقيقة ولكنها كانت كذب أكثر منهم. النبي خارج المعبد كما الله. النبي خارج اللحية كما الله، الصلاة خارج اللحية كما القلب. أول خطأ المصلين هو ظنهم أن الله في المحراب، لا صلاة بينهما. أول خطأ البشرية هو ظنهم أن الله والكاهن يمشيان سوية، لا مسافة بينهما... فلكثر ما هجر الله شعباً بسبب معابده... أردت أن أستر الفضيحة كما علموني في رهبنة الدين، فوقعت في خطيئة الستر... الستر خطيئة مع الحقيقة. لذا لا تأخذ الحقيقة الناعمة التي تخجل لأثوابها، فلا تقول الحقيقة نفسها إلا عارية... مؤسف أن تجد نفسك مع دين دون دين... مع الله دون الله. مؤسف أن تجد نفسك مع أمة تصلي ضدّ الله في عين محرابه...".

هذا الكتاب من تأليف عبد الرزاق الجبران و حقوق الكتاب محفوظة لصاحبها