ثلاثة وثلاثون قرناً من تاريخ الأمازيغيين - نسخة ممتازة من إعداد سالم الدليمي


تحميل كتاب ثلاثة وثلاثون قرناً من تاريخ الأمازيغيين - نسخة ممتازة من إعداد سالم الدليمي pdf

ثلاثة وثلاثون قرناً من تاريخ الأمازيغيين - نسخة ممتازة من إعداد سالم الدليمي

تحميل كتاب ثلاثة وثلاثون قرناً من تاريخ الأمازيغيين - نسخة ممتازة من إعداد سالم الدليمي pdf الكاتب محمد شفيق

من الاقوال الشــائعة التي هي عند عامة الناس بمثابة الحِكَم الفلسفية أن التاريخ ذاكرة الشعوب.. وإذا كان الأمر كذلك، فلا شك أن الشــعوب تتذكر ما مر بها من العقود والقرون والعصور كمــا يتذكر الأفــراد ما مــر بهم من الأيام والشــهور والســنين.
والمعلــوم أن من الأفــراد من له ذاكرة قوية، ومنهــم من له ذاكرة ضعيفــة، لكنهم يلتقون جميعاً فــي ميلهم إلى زخرفة ذكريات الماضي وتجميلها، وإلى طرح كل ما هو عبء ثقيل على ضمائرهم وإزالة كل غبشــة تشين صورة أيامهم الفارطة كما يشتهون أن يتخيّلوها. ولهذا يكره الأفراد وجود شــهود صدق على ماضيهم.
ولا تختلف في ذلك الشــعوب عن الأفراد، غير أن بعضها ينشغل بتكاليف الحاضر عن أخبار الماضي، بإســتمرار، فتمر به الأزمان تلو الأزمان، إلى أن يقتصر علمه بما ســلف من دهره على ما يحكيه له غيره، والغالب أن ذلك "الغير" لا يمكن أن يكون إلّا نداً سبق له أن كان عدوا للأســلاف والأجداد، أو كان لهم خصماً، في أحســن الحالات.
ولعــل الأمازيغيــين خير نموذج لــلأمم التي لم تكــن لها ذاكرة خاصة بهــا، مادامت الذاكرة هــي تدوين الســيرة الذاتية. فكأن
إســهامهم في صنع التاريخ مع أطراف متعددة متعاقبة، خلال ما يربو على ثلاثة آلاف ســنة، عودهم أن يوطنوا أنفســهم على نســيان الماضي، لأن ذكــره، حينما يتكرر، لا ينتــج منه إلّا التبجح ونوع من التشــبب كالذي يهواه الشــيخ الهــرِم الكُنتي الفاقد الأمل في المستقبل. والواقع أن التاريخ لا يمكن أن يكون إلّا "علماً تحت الحراسة" (1) لأن البحث العلمي الحق يقتضي من الباحث أن يتجرد من كل ما هو ذاتي في تفكيره ووجدانه. وإذا كان مــن المســتحيل على المــؤرخ ـ حتى فــي عصرنا هذا المســتوعب لمفهــوم "الموضوعيــة" -أن يتجــرد مــن المشــاعر الوطنيــة، أو القومية، أو الدينية، ومن التصــورات المذهبية، فما بالك بمن أرَّخوا لمجريات العصور الغابرة، إذ كانت العصبيات، على اختلاف أشكالها ودرجاتها، هي قوام التماسك الاجتماعي، وكان التعصب للدين، أو للجنس والعرق، يُعَد بمثابة الفضيلة الاولى.!
إن فــي موقــف الأمازيغيين تجــاه ماضيهم لنوعا مــن النُبل والشــهامة، فكأن لســان حالهم يقول: فليكن ذلــك الماضي ما كان، إنه لا يهمنا. لكــن فيه أيضــاً نوعاً من الغفلة والســذاجة، مــادام لأقوال النــاس في النــاس تأثير على تصــورات عامة النــاس وتخيلاتهم وتبلور آرائهم ســواء أكانت تلك الأقــوال صادقة أم كانت كاذبة. وما أكثر ما قاله النــاس بخصوص الأمازيغيين منذ فجر التاريخ،
والأمازيغيون سكوت. ولعلهم اليوم أحسن الأمم حظاً في القدرة على إســتطلاع الحقائق عــن غابر أزمانهم بكيفيــة موضوعية، ذلــك لأنهم لم يتيّحنوا لأنفســهم قط فرصة تزييــف ولا تزويق؛
عهدتهــم في تحليل تاريخهم وتركيبه كلهــا على من كتبوا في شــأنهم بالتوالي إبتداء من عهد الفراعنــة الأول وإنتهاء بعهد ضبــاط "التهدئــة الفرنســية"، أي علــى خصــوم تنطبق على رواياتهم لتاريخ الأمازيغيين، أحســن ما يكــون الإنطباق، القولة المأثورة المقتبســة من الذكر الحكيم "وشهد شاهد من أهلها" ...
وقــد كان أولئــك "الأهــل" الشــهود هــم الكَتَبة مــن المصريين القدماء، ومن اليونان والفينيقيين والرومان والوندال والبيزانتيين والعرب والفرنسيين والأسبانيين.
أما المشــهود على أمرهم، فلو لم يــزل بعضهم - أو جلهم؟ - يحمــل ورقة تعريفه، لأيقنّــا أنهم اندثروا منــذ زمان، وصاروا جميعاً خبر كان. وورقــة تعريف الأمازيغي، فــي وقتنا الحاضر، هــي قدرته على الإفصاح بلغة "الزاي"(1) أو تعاطفه معها، أو عدم تنكّره للأجداد "مُحلّقي الرؤوس، آكلي الكُسكُس، لابسي البرنس" وهو أضعف الإيمــان.
أما من يدعي أنه براء من "الشــلحاء" و"الشــلوح" معاً، فلهُ ذلك، ســواء أَصرَّح أم لمَّح أم أَسَــر، لأنه حر في أن ينتســب أو يتنسَّب كما يشاء، حر حتى في ترجيح جانب المعرفة الأسطورية على جانب المعرفة العلمية، ما لم يمل إلى فرض معتقداته على غيره، ولم يجعل تنسّبه وسيلة للتسلّط والهيمنة.

تحميل كتاب ثلاثة وثلاثون قرناً من تاريخ الأمازيغيين - نسخة ممتازة من إعداد سالم الدليمي PDF - محمد شفيق

هذا الكتاب من تأليف محمد شفيق و حقوق الكتاب محفوظة لصاحبها