تقاطع نيران: من يوميات الانتفاضة السورية


تحميل كتاب تقاطع نيران: من يوميات الانتفاضة السورية pdf

تقاطع نيران: من يوميات الانتفاضة السورية

تحميل كتاب تقاطع نيران: من يوميات الانتفاضة السورية pdf الكاتب سمر يزبك

لا تكتب سمر يزبك يومياتها هذه لتواجه «الخوف والذعر» فقط وإنما لتراود الأمل أيضاً، كما تعبّر.
لكنها على يقين تام أنّ ما تكتبه حقيقي وواقعي وليس من صنع المخيّلة. الكتابة هنا مواجهة سافرة للموت أو بالأحرى للقتل في أبشع أنواعه، قتلاً بالرصاص، سحقاً تحت آلة التعذيب، دوساً بالأقدام... وفي قلب «كرنفالات الرعب» وأعراس الجنون توقن الكاتبة أنها لم تعد تخاف الموت بعدما أضحت تتنفسه كالهواء، بعدما أضحى هو الهواء الذي تتنفسه. إنه الموت الذي في كل الجهات. الموت الذي تنظر إليه شزراً في عين قناص، الموت في الشوارع تحت ضربات «الشبيحة»، في البيوت تحت القصف، في الزنزانات، الموت انتحاراً... في إحدى اللقطات تتحدّث عن القناص: «أمشي، أفكر أين يمكن أن يكون القناص الآن. أفكر أنني سأكتب رواية عن قناص يراقب امرأة تمشي بهدوء في شارع».
هنا بدأ شيء ما يخرج من أمعائي بسرعة شديدة، وكأنّي أردتُ أن أخرج من جلدي. في الحياة أقول لصديقاتي: إنّ لمسة رجل لا تجعلك تبدّلين جلدك كأفعى. ليست لمسة حبّ. الآن أستطيع القول إنّ هناك أشياء أخرى تبدّل جلودنا: الانسلاخ نحو الموت، والطيران نحو الهاوية! تلك اللحظة كانت الطيران نحو الهاوية، وعوضًا عن التحليق، تقيّأت. كنتُ واقفة، وسقطتُ على ركبتي. غضبوا بشدّة، وقام من مكانه ينظر مذهولاً إلى الأثاث الذي تلوّث، وبقيت أتقيّأ. عيناي تشرّان أيضًا بالماء. لم تكن دموعًا، أنا واثقة، الدمع يتساقط كقطرات، وما خرج من عيني لم يكن كذلك. عادت تلك الفكرة: كلّ من يخرج للتظاهرات في الشوارع، هنا، إمّا أنّه يُقتل بالرصاص، أو يعيش هاربًا متخفّيًا؛ أو يُعتقل، ويَعذّب كهؤلاء. أيّ شجاعة نبتتْ فجأةً من هذا الصوّان؟ خرج صوتي ضعيفًا، لكنّي استطعت أن أسمعه: “إنت اللي خاين!”. عرفت أنّه سمعها، لأنّه انحنى وصفعني بقوّة، فسقطتُ نهائيًّا على الأرض، ثم بدأت الأشياءُ تتهاوى. كان فمي مفتوحًا على الأرض، ودمٌ ساخنٌ ينزّ منه، وعرفتُ ماذا يعني قولهم بالعامِّيّة: “والله لبزّقك الدمّ”.

هذا الكتاب من تأليف سمر يزبك و حقوق الكتاب محفوظة لصاحبها