النبي المنبوذ: تروتسكي 1929-1940

تحميل كتاب النبي المنبوذ: تروتسكي 1929-1940 pdf الكاتب إسحق دويتشر

حين قرأ تروتسكي الحوار الذي دار بين سفير فرنسا لدى الرايخ الثالث وهتلر قبل الحرب العالمية الثانية مباشرة، وتخوف الرجلين من أن يكون المنتصر الأخير، في حرب طويلة ورهيبة بدت نذرها آنذاك على الأبواب، هو تروتسكي بوجه التحديد... حين قرأ ذلك الحوار كتب: "إنهم يهجسون بشبح الثورة ويعطونه اسم رجل". وبالفعل، لم تقترن صورة الثورة، في التاريخ، باسم رجل، قدر ما اقترنت باسم تروتسكي، حتى في الفترة التي صوره دويتشر فيها مشرداً، منبوذاً، لا بل إن ذينك التشرد والنبذ اللذين لازماه طوال المرحلة التي يؤرخ لها الجزء الأخير من هذه الثلاثية "النبي المنبوذ تروتسكي 1929-1940"، كانا بالضبط النتيجة المباشرة لهذا الواقع. ذلك أن الخوف من قائد ثورة أكتوبر والمنظر للثورة الدائمة كان يجمع في خندق واحد البيروقراطرية الستالينية في الدولة العمالية الأولى وكامل جوقة الحكومات البورجوازية في العالم، بحيث أبعدته الأولى (قبل أن تجهز عليه جسدياً في نهاية المطاف)، ورفضت الثانية استقباله على أرضها، "فلم يعد ثمة، على حد قول تروتسكي بالذات، غير كوكب من دون تأشيرة". ودوتيشر في هذه التراجيديا "الشكسبيرية" اللاهثة، المشحونة بمرارة الحقيقة والحياة، التي يظهر فيها تروتسكي على مسرح هائل، حدّاه العالم الشاسع والتاريخ، يقدم للقارئ بانوراما شاملة عن المعركة القاسية والمريرة وغير المتكافئة التي استمر "النبي الأعزل، والمنبوذ" يخوضها في وجه القوة الغاشمة.

 يقف البطل هنا بكل جبروته التاريخي وهيبته الفكرية والسياسية، قوياً وعاجزاً في آن معاً أمام السلطة المسلحة بكل إمكانات القمع والسحق وغسل الأدمغة ومسخ حقائق التاريخ. شاهد بأم عينه كامل الجيل القديم الذي سبق أن أبحر معه على طريق الثورة يزول من على خشبة المسرح، يباد الجزء الأفضل منه، والجزء الأفضل من الجيل الشاب يداس بالأقدام ويطحن، أولاده يتساقطون الواحد بعد الآخر، وأنصاره تمر عليهم الآلة الحاقدة للدزرجيموروا القاتل والمتوحش. لكنه يبقى رغم هول المأساة وبشاعة الجريمة التي يعيش آثارها المدمرة يوماً بيوم، على مستوى البطولة التي تليق بصانعي التاريخ، لا بل أبهى وأنصع ما فيه من صفحات.

 هكذا لا يعد يمكن أن يستعرب المرء، للحظة واحدة، ذينك الشغف والتعلق من جانب أنصاره الذين كانوا يتقدمون إلى الموت وعلى شفاههم الصيحة التي أصبحت مألوفة جداً لكثرة ما تكررت أمام مفارز الإعدام: "فليعش تروتسكي إلى الأبد". فهو كان يمثل لهم، ولكل المناضلين الذين فشل ستالين في تطويعهم، الشعلة الباقية من أكتوبر والأمل الصامد، رغم قساوة المحن، بمستقبل للبشرية وضاء ونظيف. وقد ظل يمارس نفوذه الأدبي والفكري والسياسي الهائل داخل روسيا حتى بعد سنوات نفيه وإبعاده.هذا باختصار شديد جانب أساسي من الصورة التي يقدمها دويتشر عن تروتسكي في الحقبة الأخيرة من حياته، الحقبة التي كان فيها منفياً، وطريداً، ومحاصراً، لكن في الوقت نفسه محتفظاً بروحه القتالية التي لم تفارقه لحظة.

هذا الكتاب من تأليف إسحق دويتشر و حقوق الكتاب محفوظة لصاحبها