أسباب عملية - إعادة النظر بالفلسفة

تحميل كتاب أسباب عملية - إعادة النظر بالفلسفة pdf الكاتب بيير بورديو

«بيار بورديو» مفكر ظهر في المنتصف الثاني من القرن العشرين، ولكنه لم يحظى بالأهمية التي حظي بها«سارتر» أو «ليفي ستروس» أو «فوكو» وغيرهم، ولم ينل فكره ومنهجه الحفاوة التي نالها الآخرون، فما السبب؟!
يرجع المؤلف أسباب هذه العزلة الى: أسلوب الكتابة وطريقة التعبير التي جعلت أفكاره صعبة التداول والفهم وبالتالي حالت دون وصول أفكاره، إلا أن هذا الأسلوب، تقنية فرضتها آليات العمل لديه، فبورديو عالم اجتماع، عمل في هذا الحقل المعرفي طويلا، من خلال قبائل الصحراء في أفريقيا الشمالية، وعشيرة صغيرة في فرنسا، على أمل أن يتسنى له إنشاء مدرسة في علم الاجتماع ومنهجا للتحليل في هذا الحقل، إلا أن ذلك لم يحدث، وخلاف ذلك أخذ يعمل في بلورة الآليات وأدوات البحث في علم الاجتماع، مما حداه الى أن يفكر تفكيرا نظرياً شديد الكثافة وينتقل الى ميدان الفلسفة، ولأن قاعدته النشرية ترتكز على التاريخ الاجتماعي، فقد تداخلت لديه أدوات البحث بين علم الاجتماع والفلسفة، والفلسفة التاريخية، وأصبح المفهوم علائقياً، لا يستوي ذكره دون تعداد علائقيته. وهناك مرجع آخر لعزلة بورديو الفكرية، أو مقاطعته خلاف ما تقدم وهو: محتوى نظريته أو أفكاره ، حيث أن نظريته ترتكز على فهم التاريخ الاجتماعي وتحليله، وهو من هنا ينظر الى الأدب والفن والثقافة وإلى المثقفين، ويبلور أدوات معرفتهم والتعرف اليهم، ويراهم من مجهر فكره، فاعلون في الثقافة الاجتماعية التي ينتجها التاريخ الاجتماعي، إذ أن الثقافة هي رأسمال رمزي مثل أي رأسمال آخر يحظى به الأقوياء في أي مجتمع، ويفرضونه عبر تاريخ طويل من العنف والاستبداد، في البنى العقلية للناس باعتباره معرفة إنسانية أو كونية يستخدم فيها المثقفون براعتهم وإبداعهم للمساهمة بفرض هذه الثقافة من موقع لا تظهر فيه مصلحتهم الخاصة ودورهم المباشر في تعزيز وظيفتهم، فبورديو يرى أن المثقفين ليسوا شريحة أعلى أو أرقى من شرائح المجتمع الأخرى، باعتبارهم يتمتعون بالعلم والمعرفة، أو يعون ما يجهله الآخرون، فتلك مجرد مقولات يروج لها المثقفون ويسوقون. إن هذه الرؤية لدور المثقفين ووظيفتهم، ساعدت كما يقول المترجم على عدم تبنيها من قبلهم بل ونكرانها، وهو موقف آخر في معرفة فكر بورديو ونشره.
إن أهمية نظرية بورديو وأفكاره تكمن في كونها تتناول موضوعات ذات حساسية فائقة لم يسبقه إلى تناولها بهذا التشريح أحد، والنقطة الجوهرية فيها، هو ارتباط الموضوعات التي تثيرها، بالأفكار، إذ يتضح من خلال البحث في أدوات المعرفة المنهجية، أن الأفكار لها تاريخ، وتاريخها هو التاريخ الاجتماعي لأي مجتمع، وأن من يمتهن مهنة نقل الأفكار وتداولها وتقليبها، يحاذر «عامدا» عقد الصلة بين التاريخ الاجتماعي ونشوء الأفكار، فيعمد الى أن يظهر أفكاره إبداعا خاصا من بنات أفكاره، فيخفي بذلك وظيفته وإفادته من تداول هذه الأفكار بإضفاء سمة الكونية والشمولية عليها والصالح العام، وهذا الأمر يطال البيروقراطية ورجال الوظيفة العامة وأصحاب الشأن الذين يفعلون في الوضع الاجتماعي من خلال دورهم في نقل الفكر.
وفي هذا الكتاب يعرض «بورديو» موضوعات على شكل مقالات مستقلة تتساوق فيما بينها في منهج التحليل والترابط الداخلي الذي يقيمه في كل موضوع يتناوله، مما يجعل الاتساق بين الموضوعات موحداً على قاعدة عرض المفاهيم وأدوات التحليل الموحدة في المواضيع المختلفة، ومن خلال تلك الموضوعات، عرض المؤلف مفاهيمه، عن التعليم وعلم الأعمال الأدبية والثقافة والمثقفين والبيروقراطية والدولة، وانفصالها القسري عن التاريخ الاجتماعي للأمم، وما يحيط بذلك من لغط فكري كبير.

هذا الكتاب من تأليف بيير بورديو و حقوق الكتاب محفوظة لصاحبها