تحميل كتاب ما بين الحياة والموت pdf
معاينة الكتاب أو تحميله للإستخدام الشخصي فقط وأي صلاحيات أخرى يجب أخذ إذن من المؤلف
تحميل كتاب ما بين الحياة والموت pdf الكاتب سعدني السلاموني
ما كتب عن رواية ما بين الحياة والموت للأديب العالمي سعدني السلاموني:
1- الأديب المصرى العالمى، إبراهيم عبد المجيد
2- الأديب الفريد، محمد فرحات
3- الأديبة المتفردة، سمية صبحى سرور
4- الشاعر الفريد، سعيد خليفة
1- إبراهيم عبد المجيد: من سماء القرية إلى سماء العالم
الحديث عن سعدني السلاموني يخص القلب خاصة لمن هم مثلي، عرفوه في أول حضوره للقاهرة من قريته. قرية نادر مركز الشهداء محافظة المنوفية، يبحث عن مكان بين الأدباء والشعراء في الحياة الأدبية. لكني سأبتعد عن القلب قليلا، وأمشي مع العقل وانا أقدم هذه السيرة، وهذا الكتاب الذي سيأتي في ثلاثة أجزاء متتالية. سأختصر وأوجز سعدني السلاموني المستعصي على الإيجاز، وأقول إنه شاعر العامية المتفرد في صوره الشعرية، منذ قرأنا شعره في المجلات والصحف أو في دواوين.
للسعدني عشرون كتابا بين الشعر والرواية الشعرية التي لم يقتحم عالمها سابقا غيره، هو الباحث عن التجارب والخروج على المألوف. فضلا عن سبقه في تأسيس مشروع محو الأمية البصرية الذي صار حديث الدنيا، ومعه في مجلس إدارته أساتذة عظماء من الجامعات المصرية، وكتب فيه كتابا فائقا في العلم الجديد. دهشتك من كيف استطاع هذا الذي تعلم القراءة والكتابة في السابعة والعشرين من عمره، والذي عاش حياة صعبة في طفولته وشبابه ستعرفها في الكتاب، أن يصنع حياة يصل فيها شعره إلى الترجمات العالمية، ووصل فيها علمه إلى العالم.
يفتتح كتابه بعبارة عابرة للزمن يقول فيها:
"اجتهد حتى تكون كاتبا وتقود العالم- حكمة حضارة مصر القديمة"
بعدها يبدأ الكتاب بفصل عنوانه " اكتبوه ميتا". الجملة التي قالها والده لخفير القرية وهو في الخامسة من عمره حين سأله عنه، وظلت تطارده حتى السابعة والعشرين من عمره، حين تعلم الكتابة والقراءة ليثبت لهم العكس. رحلته أيضا في دراسة الخط العربي وكيف صار يكتب لافتات للانتخابات في قريته، ولوحات التلاميذ في المدارس، لكنه رغم ذلك ظل في نظرهم ميتا. كتب الشعر ووفد إلى القاهرة، وبدأت الرحلة بديوانه الأول "رغاوي الألم" الذي عانى من عدم نشره، حتى نشره له الشاعر محمد كشيك في سلسلة أصوات أدبية بالثقافة الجماهيرية مؤمنا بموهبته، رغم رفض جهات كثيرة لنشره، فملأ أفق الحياة الأدبية.
وتستمر مع فصول الكتاب بلغته النثرية الأقرب إلى الشعر.
كيف تتالت أعماله الشعرية والرواية الشعرية وتُرجم الكثير من اشعاره إلى لغات عالمية. أنا شاهد على هذا كله. أصدر في نهاية التسعينيات مجلة "الرصيف" التي فجرت كثيرا من القضايا الأدبية وأنا شاهد عليها أيضا. كل ذلك وهو في نظر الجميع ميت، لكن الأموات كما يقول في بلاغة رائعة، هم من يديرون حياة الأحياء ما بين الحياة والموت. يقول أيضا. أنت تولد في عالمنا العربي حرا، لكن حياتك تكون مُراقبة من كل ناحية.
يلخص الأمر في هذا المقطع الفلسفي عابر الزمن:
صاحي بين موت وموت
بين وقت خاين على صدرك يفوت
بين خلايق عنكبوت.
لا عُدت عارف تعيش
ولا انت قادر تموت.
يقول إن لكل انسان عمرا واحدا، لكنه عاش عمرين. عمر جاهليته قبل أن يتعلم القراءة والكتابة، وعمر منذ عام 1982 بعد أن تعلم القراءة والكتابة وخرج إلى النور.
كيف علمه أبوه مهنة نجار السواقي قبل أن يتعلم القراءة والكتابة. كان ينظر إلى السماء فتأخذه رؤيته التشكيلية إلى رؤيتها بكل ألوانها. كيف بدأت رحلته مع الكتب وبعض شعراء قريته، وحيرته في أشكال الشعر ورغبته في التمرد، وأن تكون راحة عينيه في الرواية والسينما والفوتوغرافيا والصورة. ولقد حدث. كيف كتب في بداياته ديوانا رآه ضعيفا فلم يضمه لأعماله. وهذا طبيعي. ثم جاء ديوانه "رغاوي الألم" عام 1995 فكان مفتتح الطريق. سعادته في قريته بنشر قصائده التي تردد في إرسالها لمجلات القاهرة وأرسلها أصحابه الشعراء، وكيف أحس إنه حصل على نوبل. مقابلته لشيخ الخطاطين خضير البورسعيدي وكيف تعلم أن الخط ليس بالبصر فقط لكن بالبصيرة، وأن اللوحة لا تُقرأ بخطها، بل بخلفيتها التي يجب أن تكون في أذهاننا. كلام رائع في الفن. مع رحلته إلى القاهرة عام 1984 تأتي مشاعره وهو قادم من قرية ليس بها كهرباء. شيء من قصائده بصورها الفنية الرائعة. كيف كانت إقامته في جنينة ميدان التحرير كأنه متسول في نظر البعض. لقاءاته مع كتاب مثل إبراهيم داود وهشام قشطة وقامات تشكيلية مثل صلاح عناني وجورج البهجوري وعادل السيوي ومحمد عبلة وفاطمة إسماعيل تعلم منهم كيف يقرأ اللوحة، وما لاقاه صلاح عناني من حروب، وكيف كان هو أول من أطلق فكرة مشروع محو الأمية البصرية في ذهن سعدني. يرد الخير لأهل الخير دائما. تفاصيل صغيرة لكنها شكلت مسيرته مثل عضوية أتيلييه القاهرة في عهد الفنان حسن الأعصر الذي كان المشجع الثاني له في مشروع محو الأمية البصرية بعد صلاح عناني.
لقاؤه معي وكيف قدمته لمدير النشر بالجامعة الأمريكية، وكيف تلقفته الدكتورة سامية محرز، وقامت بتدريس ديوانه بالجامعة الأمريكية. كارنيه اتحاد الكتاب وكيف غير مهنته من نجار سواقي إلى كاتب. وما واجهه من مشاكل حتى فُصِل من العضوية. لقاؤه بنجيب محفوظ وما قاله محفوظ عنه، فنقله إلى سماوات مفتوحة لا نهاية لها. صار حديث الصحف والمجلات. مشاركته في السياسة والمظاهرات في بلده ضد نظام الحكم، ولقاؤه الرائع في القاهرة مع حمدين صباحي، وأعلام حزب التجمع الوطني مثل رفعت السعيد، وخالد محيي الدين الذي سيقنع المشير طنطاوي بإصدار قرار علاج له على نفقة الدولة بمستشفى القوات المسلحة بالمعادي.
مساعدة حمدين صباحي له في الحصول على شقة، ومساعدة الدكتور سمير سرحان العظيمة بتعاقده معه على عدد من الكتب، ومن عائدها حصل على الشقة. تراتب صدور الدواوين وما دار حولها. كيف تعرف على الكومبيوتر والإنترنت وأثر ذلك في شعره. وديوانه " إنترنت" الذي أخرجه من قوالب الشعر التي اخترقها من قبل، لكن إلى السريالية، ولقائه بالكاتب الكبير صبري موسي وإعجابه به وتشجيعه. والصحفي أحمد خالد بالأهرام الذي فتح له طريق الكتابة بالجريدة لمساعدته ماديا. كيف أصدر أول ديوان مرئي وأول ديوان مسموع، ودعم الوزير الفنان فاروق حسني له في هذه التجربة الجديدة، ومساعدة الفنان أحمد نوار في نشر الديوان المرئي والمسموع. مشروع محو الأمية البصرية كيف بدأ ومن معه، والصراع من أجل المشروع. كيف اتصلت به جامعات العالم، والأفلام الوثائقية عنه، وشخصيات أكاديمية عظيمة مثل السفير رضا الطايفي والدكتور محمد مستجير، ولقائه بالمخرج مصطفي العقاد مخرج فيلم الرسالة، وكل ما أقام في روحه مشروع محو الأمية البصرية. صور رائعة من أحاسيسه مع كوكب الريف الذي جاء منه وقصائد رائعة. من أجمل ما في الكتاب الحديث عن حب الأطفال في قريته. حديث عن الطفلة ناهد التي يعشقها كل الأطفال وهو منهم، وأحب أن أختم حديثي بشيء مما قاله فيها. الحقيقة يغريني شعر سعدني منذ عرفته وقرأته لكني أترك لكم قراءته، كما أترك لكم المتعة مع الكتاب في مراحل عمره. يقول:
البنت اللي بتطلع لي ساعة نومي
تجري على سطور كشكولي
وتحاور فيه لحد ما دخلها قصيدتي
شايفها هناك.. أهي!
شايفينها؟
بتدوس علي روحي بصندلها
بس انا مش شايف:
اللي بين سطرين سنانها دا دمي
ولا أحمر شفايف!
__إبراهيم عبد المجيد / 2 نوفمبر 2025
...................................
2- محمد فرحات - اكتبوه ميتًا: تمثلات القمع ومقاومة الحياة في سردية الطفولة عند سعدني السلاموني
في الفصل الحادي عشر من رواية «بين الحياة والموت»، يضعنا الشاعر سعدني السلاموني في قلب حادثة مؤسِّسة تشكّل لحظة مفصلية في سيرته الوجودية؛ ليس مجرد ذكرى طفولة، بل نواة أولى للوعي بالمقاومة، وبالذات، وبالمعنى. فـ «اكتبوه ميت» لم تكن جملة عرضية نطق بها الأب، بل صكّ وفاة رمزي، إعلان مبكر بأن هذا الطفل – الذي لم يتجاوز الخامسة – غير مرغوب فيه في معترك الوجود المأزوم، ومُلقى به خارج أسوار الدولة/المدرسة/الحياة.
لكن ما كتبه الأب على لسانه تحوّل إلى نبوءة معكوسة. كتبوه ميتًا، فبدأ الطفل يولد، ليس جسدًا ضعيفًا يُقذَف خارج المدرسة، بل بذرة أولى لـ«المثقف العضوي» كما يسميه جرامشي، ينطلق من القاع لمواجهة السلطة بكل تجلياتها، أولها السلطة الرمزية للمدرسة.
تتحول القرية، في مستهل هذا الفصل، إلى كائن أسطوري: قنفذ أو سلحفاة شمطاء تشبه الشمسية، تمنح وتمنع، تُدثّر أبناءها وتلفظهم، تصدر أوامرها للضوء والظلام. ميثولوجيا شعبية باسم لغة شعرية مشبعة بالرؤية؛ تكشف عن بنية اجتماعية صارمة، لا تعترف بالخروج عن النسق، وتعاقب التمرد بالعزلة والنبذ، مهما علا الخارج نجوميته.
ومن هنا يتأسس التوتر بين الطفل وسلطة القرية، حيث تأخذ المدرسة امتدادًا مؤسساتيًا لتلك السلطة. المدرسة ليست مكان تعليم، بل مصنع للموت الرمزي، دفتر تُدوَّن فيه أسماء «الأموات»، و«فراش» مختص بإلقائهم خلف الأسوار. هذا التجسيد المسرحي للسلطة التعليمية يستحضر منطق الدولة/السجن/المستشفى كما صوّره ميشيل فوكو؛ حيث تُنضبط الأجساد وفق قواعد صارمة، ويُستَبعد من يخالفها.
لكن الطفل لا يخضع. يقاوم بطريقته: بالعض، بالصراخ، بالرسم، بالحلم، ثم في ذروة رمزية، بالحجر. فالحجر ليس مجرد وسيلة إيذاء، بل تعبير شعري مكثّف عن الرفض. من الطفل الذي يهتف «أنا حي، والله العظيم حي»، إلى القائد الذي يقود «العشرة الأموات» في معركة تحرير المدرسة بالحجارة، تتأسس الذات المتمردة في مواجهة مؤسسات الاعتراف بالموت.
والأهم أن هذا المشهد ليس حدثًا معزولًا، بل «فلاش باك مؤسس»، ستعاود تلك المشاهد وتكراراتها طوال حياة الشاعر، مع تغيّر وجوه السلطة: من الناظر إلى رجل الأمن، إلى الوزير، إلى الأجهزة الثقافية التي تحاصر المثقف وتستنزفه. تتكرر الضغوط، لكنها في كل مرة تأخذ شكلًا جديدًا: مقالًا رافضًا، منبرًا مغلقًا، جائزة تُمنع، كتابًا يُصادر، أو تجاهلًا تامًا في دواخل مؤسسات الاعتراف الأدبي.
الشاعر الذي قيّدت قدماه في الخامسة ليرى نفسه مذهولًا تحت عيون التلاميذ، يرفض منذ ذلك اليوم أن تُمسّ كرامته، أو يُرغَم على الانحناء. ولهذا أيضًا لا يبكي أمام ناهد؛ لأن البكاء في حضرة الحبيبة يعني انهيار الكرامة. هذا التكوين المبكر لعلاقة الشاعر بالقيمة العليا "كرامته" يُفسّر لاحقًا اندفاعه في مشروعه الفكري ومقاومته العنيدة لكل أشكال الإقصاء والتهميش.
من حيث البناء، لا يفصل السلاموني بين الواقعي والأسطوري، بين السردي والشعري. فاللغة تتلوّن بلون المشهد: من نثر سردي واقعي إلى استعارات ملتهبة، ثم مشهدية عالية الحركية. تتحول المدرسة إلى ساحة حرب، والمعلمون إلى «فراخ بيضاء لا تهشّ ولا تنشّ»، ثم إلى «مصارعين على الجسد الصغير»، في تشبيه ساخر مرير يجعل الفصل لوحة تشكيلية ناطقة لا ينقصها سوى التوقيع.
إذا كان الأب قد كتب ابنه «ميتًا» لينقذه – كما ظن – من عبء المصاريف، فإن الابن كتب نفسه «حيًّا» بكل الوسائط الممكنة: بالدم، بالحجر، بالقصيدة، وبالموقف. وكأن الفصل كله إجابة حية عن سؤال: كيف يخلقنا الألم؟
في أعمق أبعاده، لا يعد هذا الفصل مجرد قصة طفل طُرد من المدرسة، بل مرآة تاريخه الطويل من الطرد والتهميش لكل من يقول “لا” في وجه النسق. إنه حجر صغير يُقذَف في عين سلطة عمياء؛ لا يسقطها، لكنها ترتبك للحظة، ثم تستأنف مطاردتك.
ولكن، وكما يعلن السلاموني في بداية الفصل:
«هاحط كوبري يعدوا عليه الميتين للصاحيين، والصاحيين يروحوا للميتين»
لعلّ الكتابة هنا هي ذلك الكوبري، يعبره الميت الذي «دُوِّن» في الدفتر ليعود حيًّا، شاهراً حجره وقلمه، يروي الحكاية.
الشهداء
__محمد فرحات / ٧ يوليو ٢٠٢٥
...................................
3- سمية صبحى سرور: سعدنى السلامونى يحلق ما بين الحياة و الموت
تعرفت على الاستاذ سعدني السلاموني للمرة الأولى في لحظة إنسانية خالصة لا علاقة لها بالأدب ولا بالنقد ولا بالأضواء.....
كان يحاول أن يلبي استغاثة إحدى الفنانات بعد تعرضها لموقف اجتماعي قاس
موقف كشف هشاشة الإنسان حين يُترك وحده في مواجهة المجتمع و مواجهة نفسه.
بادرت بأنني أستطيع تقديم بعض أيادي العون لها من خلاله بما أملكه محبة صادقة للفن وأهله و لكل بني الإنسان
لم تكن المبادرة بطولة ولا فعلًا استثنائيًا بل استجابة طبيعية لوجع إنساني
بعدها فقط انفتحت بوابة الأحاديث
حديث جر حديثًا
ووجدت نفسي أمام تجربة حياتية لا تشبه السرد المعتاد ولا الحكايات المنمقة
بل أمام إنسان يحمل على كتفيه تاريخًا كاملًا من القهر والمقاومة.
توسم السلامونى فيّ بعض الإخلاص
و المحبة النقية فاختصني بقراءة مشروعه الاثير.
عندنا يتحدث عن نفسه و ما مر به من تجارب.
و ما ابدع الإنسان عندما يتحدث عن ذاته ومن هنا بدأت القراءة
لا بوصفها قراءة نص... بل قراءة إنسان
كان الجزء الأول من ثلاثية سعدني السلاموني... و هو ليس نصًا سرديًا تقليديًا بل مشروعًا وجوديًا جماليًا يكتب السيرة الذاتية بوصفها سؤالًا فلسفيًا ويستعيد الذاكرة بوصفها ساحة صراع مفتوحة بين الفرد والسلطة بين الحياة والموت بين الصوت المهمش.. العشوائي. لكن رغم ذلك نحن أمام كتابة لا تطلب التعاطف ولا تراهن عليه بل تفرض المواجهة وتضع القارئ مباشرة في قلب التجربة
تعمد السلاموني هدم الحدود الفاصلة بين الأجناس الأدبية فلا تستقر داخل شكل واحد ولا تعترف بنقاء النوع فهي تتحرك بحرية بين السيرة الذاتية والرواية والشعر والبيان الفكري والوثيقة الاحتجاجية وهذا التهجين لا يأتي بوصفه ترفًا فنيًا أو رغبة في التجريب بل بوصفه ضرورة وجودية لأن حياة سعدني السلاموني نفسها لم تُعش داخل مسار اجتماعي واضح أو قالب مستقر بل تشكلت على التخوم وفي مناطق الالتباس والانكسار
يكتب قلمه في مجمله هذا الكتاب كملف اتهام مفتوح لا كسرد حكائي تقليدي فهو يوجه اتهامًا صريحًا للقرية وللمؤسسة التعليمية وللدولة و للمراكز الثقافية.
السرد هنا لا يسعى إلى الحكي ولا إلى النوستالحيا بل يعمل بوصفه محاكمة كاملة الأركان حيث تتحول الكتابة إلى أداة مساءلة وكشف.
ثيمة (الموت) كانت من اقوى الثيمات داخل مشروعه الادبي. موقعها المركزي داخل الكتاب لا بوصفها حدثًا عابرًا بل بوصفها بنية فكرية حاكمة... فعبارة (اكتبوه ميتًا) لا تمر مرورًا سرديًا عاديًا بل تتحول إلى نواة تأسيسية لكل العمل حيث يصبح #الموت مفهومًا رمزيًا قائمًا على الإقصاء الاجتماعي والمحو المعنوي والشطب من السجل الإنساني منذ نعومة اظفاره.
ومنذ هذه اللحظة لا يسرد سعدني السلاموني حياة مكتملة بل يكتب حالة معلقة بين الموت والحياة لا هو حي بالكامل ولا هو ميت بالكامل وهو ما يمنح النص توتره الفلسفي الدائم.
ننتقل الي الذات الساردة في الكتاب. حيث تبدو أحيانًا متضخمة وصاخبة وقد تُقرأ بوصفها نرجسية أو استعراضية غير أن هذا التضخم ليس خللًا بل خيار واعٍ لأن العالم لم يعترف بهذه الذات منذ البداية فكان لا بد لها أن تعلن نفسها بنفسها تتحول الأنا من حالة فردية خاصة إلى نموذج إنساني أوسع يشمل الطفل المقصي والمبدع المهمش والمثقف الخارج عن النسق الاجتماعي والثقافي.
لغة سعدنى السلامونى لغة هجينة تتحرك بين العامية الجارحة والفصحى الخطابية والجملة الشعرية والتقرير التوثيقي وهذا التناوب لا يعكس ضعفًا أسلوبيًا بل تشظي الهوية نفسها اللغة غير مهذبة وغير مصقولة وأحيانًا صادمة لأن النص يرفض التجميل ويكتب من منطقة الجرح لا من منطقة الصنعة.
ثم ننطلق لمحور اخر وهو (الجسد) في كتابة سعدني السلاموني بوصفه ساحة قهر أساسية جسد يُضرب ويُهان ويُسجن ويُراقَب لكنه في الوقت نفسه الجسد الذي يكتب وكأن النص يُكتب باللحم لا بالحبر لتتحول كتابته لفعل مقاومة جسدية اكثر من كونها فعلا فكريا.
ثم نتطرق إلى ثيمة حساسة شائكة وهي (السلطة).. السلطة في الثلاثية لا تظهر ككيان واحد محدد بل كشبكة مركبة من السلطات تبدأ من القرية ولا تنتهي عند الدولة مرورًا بالمؤسسات الثقافية والامنية وفي مواجهة هذه الشبكة لا يظهر سعدني السلاموني كمعارض سياسي تقليدي بل بوصفه كائنًا مقلقًا يصعب احتواؤه أو تصنيفه وهو ما يجعله أكثر خطورة وأشد عرضة للإقصاء.
في بعد فلسفي يطرح الكتاب أسئلة صريحة ومباشرة... من يملك حق تعريف الحياة؟ وهل الاعتراف شرط أساسي للوجود؟ وهل الإبداع نجاة أم لعنة؟
هنا... لا تسعى النصوص إلى تقديم إجابات نهائية بل تترك القارئ في منطقة قلق معرفي وأخلاقي مفتوح.
احتل هذا الكتاب للأستاذ سعدني السلاموني موقعًا خاصًا داخل قلبي... فهو لا تنتمي إلى الواقعية الاجتماعية ولا إلى ما بعد حداثة ناعمة بل يمثل كتابة هامشية راديكالية تقترب في بعض ملامحها من سرد إدوارد سعيد حول الهوية ومن توثيق صنع الله إبراهيم ومن الاعتراف الفج لدى هنري ميللر لكنها تحتفظ بخصوصية مصرية قاسية ومؤلمة وفي محصلتها النهائية ليست هذه الثلاثية سهلة ولا مريحة ولا متوازنة دائمًا.
اعترف انها ارهقتني جدا
و مارست ضغطا ساديا على جهازي العصبي..
لكنها صادقة وخطرة ومربكة إنها كتابة من نجا من الموت ليحكي لا ليُمتع ومن هنا تستمد قيمتها الحقيقية.
...................................
4- سعيد خليفة: اكتبوه ميتًا، شعر
=======
ليست مجرد جملةٍ عابرة ...
بل قدرٌ كُتب على باب العمر مبكرًا
وعنوانٌ ثقيل فُرض قبل أن يتعلّم الحرف
وقبل أن يعرف الطفل
أن للكلمات أبوابًا ...
وللجهل سجونًا .
اكتبوه ميتًا
ليست جملةً تُقال ...
ولا حكمًا يُنطق به في لحظة غضب
بل عنوانٌ ثقيل ...
كُتب في صدر معركةٍ لم يُعلن عنها
وبدايةُ تحدٍّ لا يخوضه إلا من عرف
أن الموت أحيانًا
ليس نهاية الجسد ...
بل امتحان المعنى .
اكتبوه ميتًا
حين ضاق العالم عن احتمال صوته
وحين صارت الكلمة جريمة ...
والصدق تهمة ...
والشاعر متهمًا
لأنه يرى أكثر مما يُسمح له أن يرى .
اكتبوه ميتًا
لأنهم عجزوا عن قتله حيًّا ...
فحاولوا دفنه معنويًا ...
طمس اسمه ...
كسر ظله ...
وتشويه صورته في مرايا الآخرين .
لكنهم لم يفهموا
أن الشاعر حين يُكتب ميتًا
يبدأ حياةً أخرى ...
أشدّ قسوة ...
وأكثر صفاء .
هنا ...
في هذه اللحظة الفاصلة
وقف سعدني السلاموني
لا كمن ينتظر الرحمة ...
بل كمن يختبر جوهره الأخير .
أن تُكتب ميتًا
وأنت ما زلت تتنفس ...
يعني أن تمشي بلا أقنعة
أن تكتب بلا خوف ...
أن تُلقي عن روحك ثقل الاسترضاء .
اكتبوه ميتًا
فالميت لا يُهدَّد ...
ولا يُساوَم ...
ولا يُخيفه الفقد ...
لأنه فقد كل شيء
إلا صوته .
ومن هنا ....
لا يبدأ السقوط ...
بل يبدأ التحدي الأصعب :
أن تعيش بعد موتك الرمزي
وفي يدك قلم ...
وفي صدرك نار ...
وفي روحك إيمان
بأن الكلمة الصادقة
لا تُقتل ....
حتى لو كتبوا فوقها :
ميتا .
تحميل كتاب ما بين الحياة والموت PDF - سعدني السلاموني
هذا الكتاب من تأليف سعدني السلاموني و حقوق الكتاب محفوظة لصاحبها
الملكية الفكرية محفوظة لمؤلف الكتاب المذكور.
في حالة وجود مشكلة بالكتاب الرجاء الإبلاغ من خلال أحد الروابط التالية:
بلّغ عن الكتاب
أو من خلال التواصل معنا
حقوق الكتب المنشورة عبر مكتبة فولة بوك محفوظة للمؤلفين ودور النشر
لا يتم نشر أي كتاب دون موافقة صريحة من المؤلف أو الجهة المالكة للحقوق
إذا تم نشر كتابك دون علمك أو بدون إذنك، يرجى الإبلاغ لإيقاف عرض الكتاب
بمراسلتنا مباشرة من هنــــــا