تحميل كتاب غزوة تبوك pdf

ملاحظة: نُشر هذا الكتاب على موقع فولة بوك بإذن صريح من المؤلف
معاينة الكتاب أو تحميله للإستخدام الشخصي فقط وأي صلاحيات أخرى يجب أخذ إذن من المؤلف

غزوة تبوك

تحميل كتاب غزوة تبوك pdf الكاتب رمضان مصطفى سليمان

من يتأمّل التحوّل العجيب الذي أصاب العرب في صدر الإسلام، يقف مبهورًا أمام مشهدٍ تاريخيّ يكاد يلامس حدود المعجزة الاجتماعية والنفسية؛ إذ كيف لأمّةٍ كانت بالأمس شتاتًا قبليًّا ممزّقًا، تتنازعها العصبيّات، وتنهشها الأحقاد، وتفتقر إلى كيانٍ سياسيّ جامع، أن تغدو – في زمنٍ وجيز – أمّةً موحّدة، ذات رسالة، ودولة، وهيبةٍ تُزلزل أعتى القوى في زمانها؟

لقد كان الإسلام هو الروح التي نفخت في ذلك الجسد المبعثر معنى الوحدة، فحوّل القبيلة إلى أمّة، والعصبية إلى أخوّة، والخوف إلى يقين، والتفرّق إلى مشروع حضاريّ ممتدّ. ومن هذا التحوّل العميق، استطاع المسلمون أن يعودوا إلى مكّة فاتحين بعد ثماني سنوات من الهجرة، لتدخل الناس في دين الله أفواجًا، في مشهدٍ روحيّ واجتماعيّ يعكس اكتمال النضج الرساليّ للدولة الإسلامية.

وبعد أن استقرّ الداخل المكيّ، واتّسق البناء الاجتماعيّ والسياسيّ في الجزيرة، اتّجهت البصيرة النبويّة إلى الأفق الخارجيّ، استكمالًا لوظيفة البلاغ العالميّ، خصوصًا بعد ورود الأنباء عن حشود الروم واستعدادهم لمهاجمة الدولة الناشئة. هنا لم يكن التحرّك النبويّ مجرّد ردّ فعلٍ عسكريّ، بل كان فعلًا استباقيًّا يعكس وعيًا استراتيجيًّا عميقًا؛ فكانت غزوة تبوك، تلك الرحلة التي اختبر فيها الإيمانُ معدنَ النفوس.

وسُمّيت الغزوة باسم "عين تبوك" التي مرّ بها الجيش الإسلاميّ في طريقه إلى تخوم الروم، كما عُرفت بـ غزوة العُسرة؛ والعُسرة هنا ليست توصيفًا ظرفيًّا فحسب، بل حالةٌ وجوديّةٌ عاشها الجمع المؤمن: حرٌّ لافح، وماءٌ شحيح، ومسافةٌ موغلة في البُعد، وفقرٌ يضيق به العيش. حتى إنّ القرآن خلّد تلك اللحظة بوصفٍ يفيض رحمةً وتثبيتًا:

﴿لقد تاب الله على النبيّ والمهاجرين والأنصار الذين اتّبعوه في ساعة العسرة﴾.

لقد أدرك النبيّ ﷺ طبيعة التحدّي، فصرّح بوجهة الغزو – على خلاف عادته في الكتمان – لأنّ المقام مقام إعدادٍ نفسيّ ومادّيّ طويل، ولأنّ الدولة الإسلامية كانت قد بلغت من الوضوح السياسيّ ما يجعل وجهتها القادمة أمرًا متوقّعًا.

وهنا تتجلّى إحدى أعمق الصور الاجتماعية والنفسية في التاريخ الإسلامي: استنفار الضمير الجمعيّ للأمّة. فقد أعلن النبيّ ﷺ النفير، وفتح أبواب البذل على مصاريعها، قائلاً:  «من جهّز جيش العسرة فله الجنّة».

فإذا بالمجتمع الإسلاميّ كلّه يتحوّل إلى ورشة عطاءٍ روحيّ؛ الأغنياء يفيضون من أموالهم، والفقراء يسكبون صدقهم دموعًا وتمرًا وقليلَ زاد. يهبّ عثمان بن عفّان رضي الله عنه ببذلٍ أسطوريّ، فيقدّم المال والركائب والعتاد، حتى يشرق وجه النبيّ ﷺ بالبشر، ويقول كلمته الخالدة: «ما ضرّ عثمان ما عمل بعد اليوم».

ويأتي عمر رضي الله عنه بنصف ماله، في لحظة منافسةٍ إيمانيةٍ سامية، ثم يفاجَأ بأبي بكر رضي الله عنه يجيء بماله كلّه، فيتجلّى هنا البعد النفسيّ العميق للإيمان حين يتجاوز الإنسان حسابات التملّك إلى مقام الفناء في المقصد.

ولم يكن الفقراء أقلّ حضورًا في هذا المشهد؛ فقد شاركوا بما يملكون، ولو كان صاعًا من تمر، أو نصفه، لأنّ القيمة في الميزان الإلهيّ ليست في الكمّ، بل في صفاء النيّة وكثافة المعنى.

ومن أرقّ الصور الصوفية في هذه الغزوة موقف علبة بن زيد رضي الله عنه؛ إذ لم يجد ما يقدّمه، فتحوّل من صدقة المال إلى صدقة القلب، فوهب للمسلمين كلّ مظلمةٍ نالته منهم، كأنّه يجرّد روحه من أعباء الأذى، ويصعد بها إلى مقام الصفح الخالص. وهنا يرتقي البذل من المادة إلى المعنى، ومن الظاهر إلى سرائر النفوس.

وفي مقابل هذا الصفاء، برزت النفس المنافقة بما فيها من اضطرابٍ اجتماعيّ وانفصامٍ أخلاقيّ؛ سخرت من صدقات الفقراء، ولمزت نوايا الأغنياء، وحاولت تفكيك الروح الجماعية للأمّة بالترهيب من العدوّ والترغيب في الراحة، بل سعت إلى صناعة مراكز رمزية مضادّة ببناء مسجد الضرار، حيث يتحوّل المكان – نفسيًّا واجتماعيًّا – إلى أداة تفكيكٍ لا إلى فضاء عبادة.

ومع خروج الجيش، في عدّةٍ بلغت ثلاثين ألفًا، تتجلّى صورة الإنسان الرساليّ تحت الضغط؛ حيث تتناوب الجماعة على البعير الواحد، ويأكل بعضهم ورق الشجر، ويبلغ العطش مبلغًا يكاد يفتك بالأجساد، غير أنّ الأرواح كانت تسير على ماء اليقين. وحين ضاقت الأسباب، انفتحت أبواب السماء بدعاء النبيّ ﷺ، فنزل المطر كأنّه رحمةٌ تسيل على ظاهر الأرض وباطن القلوب معًا.

وفي الطريق، يلمع مشهد أبي ذرّ الغفاري رضي الله عنه كرمزٍ صوفيّ للصدق الفرديّ؛ يتأخّر عن الجيش، ثم يحمل متاعه على ظهره ويمشي وحده في صحراء مترامية، كأنّه سالكٌ في طريق الفناء، حتى قال فيه النبيّ ﷺ:

«رحم الله أبا ذر، يمشي وحده، ويموت وحده، ويُبعث وحده».

إنّه مشهد الإنسان حين ينتصر لنداء المعنى على ثقل الجسد.

ولمّا وصل المسلمون إلى تبوك، لم يجدوا الروم، لكنّ الأثر النفسيّ والسياسيّ كان قد تحقّق؛ إذ سقطت هيبة الإمبراطورية في الوعي العربيّ، ورسخت هيبة الدولة الإسلامية في النفوس والقبائل. فالمعركة هنا لم تكن بالسيف فقط، بل بكسر صورة الخوف في العقل الجمعيّ.

مكث النبيّ ﷺ في تبوك عشرين يومًا، يستقبل الوفود والصلح والجزية، في صورةٍ تؤكّد أنّ الغزوة كانت أيضًا إعادة رسم للخريطة الرمزية للقوّة في المنطقة.

ثم عاد الجيش إلى المدينة، لا محمّلًا بالغنائم فحسب، بل محمّلًا بتحوّلٍ نفسيّ واجتماعيّ عميق: انتصار الإرادة على العُسرة، وغلبة المعنى على المادّة، وارتقاء الجماعة من مجرّد تجمّعٍ بشريّ إلى أمّةٍ ذات رسالة كونيّة.

وهكذا مثّلت غزوة تبوك آخر الغزوات النبويّة، لكنها كانت من أعمقها أثرًا في بناء الإنسان المسلم؛ إذ كشفت معادن النفوس، وفرزت الصادق من المنافق، وربطت بين الجهاد الخارجيّ وجهاد الداخل، بين مشقّة الطريق وتزكية الروح، لتبقى في الوعي الإسلاميّ نموذجًا خالدًا لكيف تُصنع الحضارات في لحظات الشدّة، وكيف يولد النور من رحم العُسرة.

تحميل كتاب غزوة تبوك PDF - رمضان مصطفى سليمان

هذا الكتاب من تأليف رمضان مصطفى سليمان و حقوق الكتاب محفوظة لصاحبها

الملكية الفكرية محفوظة لمؤلف الكتاب المذكور.
في حالة وجود مشكلة بالكتاب الرجاء الإبلاغ من خلال أحد الروابط التالية:
بلّغ عن الكتاب أو من خلال التواصل معنا


حقوق الكتب المنشورة عبر مكتبة فولة بوك محفوظة للمؤلفين ودور النشر
لا يتم نشر أي كتاب دون موافقة صريحة من المؤلف أو الجهة المالكة للحقوق
إذا تم نشر كتابك دون علمك أو بدون إذنك، يرجى الإبلاغ لإيقاف عرض الكتاب
بمراسلتنا مباشرة من هنــــــا